ابن بطلان ( ابن عبدون )

26

دعوة الأطباء

قال : أعظم من الذنب اليأس من الرحمة ، وأشد من الخطيئة المماطلة بالتوبة ، وشر من المرض التسويف بالحمية . وقد قيل إن الشفيع المتخلف عدو طالب الحاجة ، والطبيب المهتجم « 34 » رسول ملك الموت ، والمريض المخلط كدودة القز التي كلما ازدادت نسجا ازدادت عن الحياة بعدا . قلت : يا سيدي انا واللّه كاره للحمية . فقال : لعمري ان الحمية صعبة ولكن أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس . وفيثاغورس « 35 » يقول : من ساس معدته فقد قرب جميع الأعضاء من الاعتدال ، وأنت تحكم الصناعة ما كنت أظنك تحتاج إلى بعض هذا . فإنه قبيح بالطبيب ان يرى مخلطا ، كما أنه قبيح بالفقيه ان يكون فاسقا . فاستخر اللّه وامض العزيمة في الحمية ، وانظر إلى الغذاء فصورته إذا استحال في غده « 36 » ، فما أحسن ما قال سقراط « 37 » وقد اجتاز على كسّاح قد اخرج من حش كساحة « 38 » : يا أهل اثينا هذا الذي كنتم تغلقون عليه أبو : بكم وتقيمو لحفظه الخزن ، وكانت شهواتكم تستخدم عقولكم

--> ( 34 ) الطبيب المهتجم ، المتسرع في وصف العلاج لمريضه . ( 35 ) فيثاغورس : فيلسوف يوناني توفي سنة 607 ق . م يؤمن بتناسخ الأرواح ويرى أن جوهر الأشياء هو العدد . وقد اهتم بالهندسة والرياضيات ووضع نظرية هندسية عرفت باسمه . ( 36 ) اي تأمل الغذاء كيف سيصير في يوم غد داخل جوفك . وهو هنا يحث ضيفه على الحمية وهو على مائدته وبخيفه من الاكثار من الاكل . ( 37 ) سقراط : فيلسوف يوناني من اثينا وهو أستاذ أفلاطون . كان يدافع عن الفصيلة في حواره مع أهل اثينا ويعلم الاثينيين طريقة استخراج المعرفة . اتهم بافساد عقول الشباب وحوكم امام مجلس المدينة وحكم عليه بالموت سنة 399 ق . م . محور فلسفته ان هنالك حقائق عقلية ثابتة يمكن استنباطها في الحالات بالجزئية المتغيرة وان العلم والفضيلة شيء واحد لا يختلف باختلاف الافراد . ( 38 ) الكساحة ما يكسح من الزبالة ونحوها . والكساح عامل الازبال . والحش : البستان .